أبو البركات بن الأنباري
28
الإنصاف في مسائل الخلاف بين النحو البصريين والكوفيين
اتصلت ببناء الاسم نحو قائم وقائمة فإنها تصير حرف الإعراب ؛ لأنها صارت آخر الكلمة وتخرج [ 12 ] ما قبلها عن تلك الصفة ؛ لأنه قد صار بمنزلة حشو الكلمة ؛ فكذلك هاهنا ، وبل أولى ؛ فإن تاء التأنيث زائدة على بناء الاسم وليست أصلية ، وحرف العلة هاهنا أصليّ في بناء الاسم وليس زائدا ، وإذا ترك ما قبل الزائد حشوا فلأن يترك ما قبل الأصليّ حشوا كان ذلك من طريق الأولى . وأما قولهم « إن الحركة التي تكون إعرابا للمفرد في حال الإفراد هي بعينها تكون إعرابا له في حال الإضافة نحو : هذا غلام ، وهذا غلامك » قلنا : إنما تكون الحركة فيهما واحدة إذا كان حرف الإعراب فيهما واحدا ، نحو « هذا غلام ، وهذا غلامك » وقد بيّنا اختلاف حرف الإعراب فيهما ؛ فلا يقاس أحدهما على الآخر ، وإن ادّعوا أن حرف الإعراب فيهما واحد - على خلاف التحقيق من مذهبهم - وزعموا أن الحرف للإعراب وليس بلام الكلمة ، وأنه والحركة مزيدان للإعراب ، فقد بيّنا أن ذلك لا نظير له في كلامهم ، وأن أحدهما زيادة بغير فائدة ، وأوضحنا فساده بما يغني عن الإعادة . وأما قولهم « تغيّر الحركات على الباء في حال الرفع والنصب والجر يدلّ على أنها حركات إعراب » قلنا : هذا لا يدل على أنها حركات إعراب ؛ لأنها إنما تغيرت توطئة للحروف التي بعدها ؛ لأنها من جنسها ، كما قلنا في الجمع السالم نحو « مسلمون ومسلمين » فإن ضمة الميم في الرفع تتغير إلى الكسرة في حال الجر والنصب ، وليس ذلك بإعراب ، وإنما جعلت الضمة توطئة للواو ، والكسرة توطئة للياء ، فكذلك هاهنا ، وإذا بطل أن تكون هذه الحركات حركات إعراب ، وأجمعنا على أن هذه الحروف - التي في الواو والألف والياء - تدل على الرفع والنصب والجر الذي هو جملة الإعراب ؛ فلا حاجة إلى أن يكون معربا من مكان آخر . وأما قولهم « إنما أعربت هذه الأسماء الستة من مكانين لقلة حروفها » قلنا : هذا ينتقض بغد ويد ودم ؛ فإنها قليلة الحروف [ و ] لا تعرب في حال الإضافة إلا من مكان واحد . وأما قولهم « ليزيدوا بالإعراب في الإيضاح والبيان » قلنا : الإيضاح والبيان قد حصل بإعراب واحد ، فصار الإعراب الزائد لغير فائدة ، والحكم لا يزيد شيئا لغير فائدة ؛ فوجب أن تكون معربة من مكان واحد كسائر ما أعرب من الكلام ، واللّه أعلم .